قصائد شعر حديثة

اسرار بحر المديد الدكتور سعود الصاعدي

 

اسرار بحر المديد الدكتور سعود الصاعادي

اسرار بحر المديد الدكتور سعود الصاعدي

فضاء النقد

أسرار بحر المديد 

د سعود الصاعدي/ السعودية

أورد محمود شاكر  في كتابه “نمط صعب”، مقطوعتين من الشعر، غير قصيدة الشعب التي درسها، دعما لفكرته عن بحر المديد، وأنه “بحر يطالب المترنّم به أن ينبذ إليه الكلمات حية موجزة مقتصدة خاطفة الدلالة، ويطالبه أن تكون أنفس الكلمات دالة ببنائها ووزنها وحركاتها وجرس حروفها على المعنى المستكنّ فيها، ويطالبه ألا يسترسل في تشبيه، وأن لا يأتي بصور متعانقة متشاجرة”، وقد استوقفني من المقطوعة الأولى -وكلها تستوقف لعذوبتها وبراعة صياغتها- قول الأعرابي:

 فتتاركنا على غير شيء     ربما أفسد طول التمادي!

تأمَل فيه صيغة الفعل”تتاركنا”،وحسنها في هذا الموقع مع اقتصادها وخطفها، وهي تغني عن الكثير من الكلام، ثم لاحظ ارتباط ذلك بالقطع والاستئناف، في قوله:” ربما أفسد طول التمادي”، وكيف اشتد ارتباطهما بهذا القطع!

لاريب أن في هذا القطع/الفصل من المتانة ما يجعله أساس المزية والحسن، وعلة الاستحسان في كثير من الشعر القديم الذي يرجع حسنه إلى الترابط وجودة السبك.

ثم لنعد إلى أبيات المقطوعة التي بدأت بالاستفهام:

              ما لعيني كحلت بالسهاد    

                      ولجنبي نابيا عن وسادي

             لا أذوق النوم إلا غرارا    

                 مثل حسو الطير ماء الثماد

فالصور هنا، كما قرر شاكر في بحر المديد، لا استرسال فيها، فالسهاد كحل، والنوم كحسو الطير، شأنه شأن هذه الصور التي هي كالحسو، ينقرها الشاعر نقرا على وتر البحر فيترنم بها على عجل بلا تماد ولا استطالة، وكأنما كان هذا البحر، بأناته وبذبذبة الحروف على النغم، كما يصفه شاكر، كأنما هو ماء الثماد، لا في شحّه، وإنما في ضيق مساحته الإيقاعية وفي حاجته إلى حسّ عال يحتاج إلى نقر كنقر الطائر.

وبرغم أن أبا العلاء المعرّي وصف هذا البحر بأنه بحر غير منجب، في مقابل كثرة ما جاء في بحر الطويل من الشعر “مع جودته وشرفه وقلة ما جاء في بحر المديد من الشعر المستجاد قلة ظاهرة”، كما أوضح شاكر، إلا أن هذا البحر نجيبٌ في عمقه وعلاقته بطباع النفس وهو ما كشفه شاكر في قصيدة ابن أخت تأبط شرّا.

وقد لفتني من هذا البحر جودة النموذجين الذين ذكرهما شاكر، وهما مقطوعة هي هذه التي أوردها للأعرابي، ومقطوعة لعمر بن أبي ربيعة وردت في سبعة أبيات، وهي من أعذب الشعر وأحكمه صياغة وتماسكا نصيا.

 والذي يبدو أن هذه الجودة في الصياغة وإحكام الصور الشعرية في غير استرسال، مردّه إلى هذه البنية الإيقاعية الضيقة والمساحة من النغم التي تتيح للشاعر أو تضطرّه إلى اصطفاء الكلمات الأدق دلالة والأقوم بالنغم، فيكون هذا الضيق سببا في الاتساع الدلالي، فتأتي الكلمة الواحدة في حاقّ معناها وتمام حسنها، وهو ما يعود على النص الشعري بكثافة في الدلالة وامتداد في النَّفْس وإن بدا البحر في إيقاعه الخارجيّ خلافا لذلك من الضيق وعدم السعة.

تأمّل معي من مقطوعة عمر بن أبي ربيعة هذه الأبيات:

     إنّ همّي قد نفى النوم عنّي

                   وحديث النفس قدما ولوعُ

     قال لي فيها عتيقٌ مقالا

                    فجرت مما يقول الدموع

    قال لي: ودّع سليمى ودعها

                    فأجاب القلب: لا أستطيع!

تجد فيها هذا الامتداد العميق في النفس، مع حلاوة في النغم لا تخفى، وصياغة محكمة أتاحت للشاعر أن يعبّر عن حالته بأدقّ تعبير وأوجزه، فاختار من الكلمات ما يقوم بهذه المهمة البيانية خير قيام، حتى إنّك لتجد الحوارية مفصلة على شطري البحر صدرا وعجزا بقياس دقيق، وهذا راجع بالطبع لبراعة الشاعر أولا، ولكنه أيضا راجع إلى طبع هذا البحر الذي أتاح للشاعر هذا الترنّم، إلى الحد الذي يجعلك تهجس في نفسك بأنّ لهذا البحر طبيعة إيقاعية مفصّلة حتى على القوافي المتمكّنة، ولك أن تتأمّل “لا أستطيع” من البيت الأخير لتشعر بهذا التمكّن، ولعل هذا شيء مما أحسّه شاكر وهو يلفتنا إلى سرّ هذا التناغم بين سطوة النغم وسطوة المترنّم، في تعليقه على هذه الأبيات ووصفها بالسحر. يقول:

“وأنا أفارقك وأدعك وهذا السحر لتتأمّله كيف شئت، ولترى أين يقع مما قلت؟ وأين يقع منه ما قلت؟ وانظر أين بلغت سطوة النغم على المترنّم، وسطوة المترنّم على النغم”.

والذي لمسه وقاله شاكر في خاصية هذا النغم هو أنّه متسق مع “حالة التذكّر”، وطبيعة التذكّر تتطلّب الاقتصاد والخطف، وهذا ظاهر في قصيدة الشعب، وفي المقطوعتين اللتين طرحهما نموذجا لما افترضه من هذا التعانق والتعالق بين سطوة النغم وسطوة الترنّم ولما فيهما من حالة التذكّر التي تتطلّب هذا النغم الخاطف والاقتصاد الكثيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى