قصائد شعر حديثة

الرجل القنفذ نجاح ابراهيم

قصة قصيرة

الرجل القنفذ نجاح ابراهيم
الرجل القنفذ نجاح ابراهيم

 

قصة الرجل القنفذ نجاح ابراهيم

 

لطا في مكانهِ ، منطوياً ومنكمشاً على ذاته.
فركَ عينيه غيرَ مصدق. قرأ البطاقة الأنيقة من جديدٍ: السيد عزت المنصوري يتشرف بدعوتكم لحضور حفل زفاف ولده …”
تساءلَ: أيعقلُ؟!
طوى المظروف بتأنٍّ ، وانخرطَ في تفكيرٍ عميقٍ.
أربعون سنة مرّت، وهو يعيشُ في وحدةٍ ، وعزلة ، وسكونٍ ؛ ليس من أحد دعاه إلى حفلة ، ولا إلى وليمة!.
وما آنس وحدته صديقٌ، ولا امرأةٌ ، ولا خالط جاراً ، عاش وكأنه بُتر من شجرة !
أمضى عمره في طرف مدينة صغيرة؛ متى جاء إليها ؟
لا أحد يعرف إلاَّ قلة ممن قاسموه العمل في الشركة .
أو ممن اطلعَ على اضبارته مدفوعاً بفضولٍ شديدٍ لحلِّ لغزِ هذا الرّجل البارد، والصامت والغريب، والذي يشبه كتلة بطيئة ، غامضة.
كرّر التساؤل بكثيرٍ من الاستغراب :
” أيعقلُ! أن يذكرني أحدٌ فيبعث إليَّ بهذه البطاقة؟!
ترى لمَ يدعوني السيد عزت؟ ومن هو عزّت هذا؟ لا، لن أذهب .
وألقى بالبطاقة جانباً ، والتف على نفسه، ودخل في سكينته.
مساء الخميس رفع أذنيه الصغيرتين إلى أعلى، شنفهما، وراح يُصغي باهتمام. وصلته جلجلة ، وأصواتٌ متداخلة ؛ مزيجٌ من قرعِ الطبول وزغاريد نسوة وموسيقى ، وهلاهيل، تسربت إليه من الطرف الآخر للحي.
أيقنَ أنه العرس، انتفضَ من مكانه، تردّد في أن يخرج من جرابه الحَسَكي. دار حول نفسه متمزقاً، حائراً ، تتصارعُ فيه رغبتان ؛ أن يخرج من بيته ويلبي الدّعوة، أو أن يمضي مساءه هذا كما أمضى كلَّ المساءات، بل والنهارات.
خطى نحو الباب خطوة قلقة، ثم عادَ حيثُ كان في زاوية الغرفة الباردة والمعتمة.
فجأة نُفخت فيه الحماسةُ فاندفعَ نحو الباب، أمسك بقبضته وهمَّ بالخروج، لكنه تسمّر من جديد.
بعد وقتٍ لم يدرِ كيف شقَّ نحولهُ الشاحبُ الليلَ ، فوجد نفسه في الشارع الذي تفورُ منه الأضواء.
وجهاً لوجه صار أمام الدبكة المنعقدة ، التقطت عيناه الناسَ في الساحة، يمورون فرحاً ورقصاً .
دسَّ كفيه في جيبيّ بنطاله، وانزوى في مكان ما مختفياً نصف اختفاءة في جرابه الحسكي. مدَّ رأسه من بين الأشواك يراقب الناس وحركاتِ أجسادهم المرنة ، المتزامنة مع إيقاع الأغاني التراثية ، والتي لاقت ترحيباً من قلبه الذي أخذ يخفقُ في صدره، خرج كلياً من اختبائه، شعر برغبة لطي خجله، بلا شعورٍ راح يحرّك رأسَ قدمهِ اليمنى، ثم رجله أخذت تهتزُّ ، ترتفعُ وتنزلُ ، تمعنَ في أرجل الدبيكة التي تواكب الأنغام بنسقٍ تتابعي، راح يقلدُ حركاتها، أدارَ رأسه في كلّ الاتجاهات، ممنياً النفسَ ألا يراه أحد.
ارتاحَ حين رأى الجميع منشغلاً. نظرَ إلى ساقه الرّاقصة ، وجد أنَّ الرّقص استشرى منها إلى جذعه ، ثم امتدَّ إلى أعلى؛ راحت كتفه تتلوى وتتناغم انسجاماً . شاع الوهجُ فيه، حتى صار رأسه يميلُ كالسكران، استحال إلى كتلة متحرّكة ، شعر بفرح يهجمُ عليه ، لاحت له آفاق فسيحة، وسماواتٌ تنيرها نجومٌ وأقمار ، ومسافات تمتدُّ أمام قدميه، تلبسته الجرأة لأن يرقصَ وهو في مكانه المزدحم بالناس الواقفين والمتفرجين ، فأخذ يخبّط برجليه ، يرفع يديه إلى أعلى وأسفل .
“سأفعلها هذه المرّة”
قال في نفسه وهو يدورُ،
توقع أحداً يكترثُ بجملته حين قالها بصوت مسموع، انتظر أن يبدي أحدٌ ما رأياً ، أو تعليقاً ، لكن لا أحد لفتته العبارة ، لهذا وضع أصبعيه في أذنيه وصاح:
” سأفعلها هذه المرّة”
سأقطعُ شرشَ خجلي وأشارك بالرّقص.
كان رجلان قريبان منه ، نظرا إليه لثوانٍ ثم تجاهلاه، وراحا يصفقان للآخرين.
انزلق أمام وجهيهما ، وراح يقفزُ أمامهما، ردّد مراراً: “انظرا، انظرا.” وعلى الفور غادرا المكان مصحوبين بالضحك والاستهزاء ، فوقف متأرجحاً، دهمه بعض تلبكٍ وخوفٍ ، واعتراه ارتباكٌ. أحسَّ بطعم الجفاف في حلقه، ابتلع ريقه. راحت نظراته القلقة تتابع الرّتل المار من أمامه، يتقدّمه القائد الذي يلوّح بعصا، الأذرع متشابكة ، والخطوات متوازنة . شعر بهوّة تنفتح في داخله، أراد ردمها: تساءل : كيف؟
” عليَّ أن أُخرج أشواكي.”
وفاحت رائحةُ القنفذة ، انتصب الحَسك فوق الجلد المدبب، التمعت الأشواك الرّمادية، واشرأبت حادة.
بحث عن الرّجلين اللذين استهزآ به، لم يجدهما، نوى أن يخترقَ الرّتل الرّاقص، ويشيع فيه الوخز،
لكن سرعان ما اكتشفَ خطأ هذه الرّغبة، وعزا ارتباكه إلى صعوبةِ الخطوة الأولى وتعثرها.
قال: “هي البداية فحسب.”.
شعرَ بالارتياح ، أخفى أشواكه ، وتسلح بالابتسام، وزّع حفنة ابتساماتٍ عشوائية، عجلى، ودلقها في وجوه متشاغلة ، ثمَّ راح يتقدّم تارة ويرجعُ إلى الخلف تارة أخرى، تسربل بالتوتر والانفعال من جديد، خيط من القنوط دهمه ، وسكن عينيه دمعٌ ساخنٌ التقطه بأطراف أصابعه الرّاجفة، ثم تركه ينفلتُ على خدّيه ليتجمع أسفل ذقنه ، وغشيه صمتٌ فاترٌ ، قصيرٌ. حملق بظهور الناس الذين يعبرونه، أراد من جديد أن يخرج أشواكه ويقطعها إرباً إرباً، أو أن ينشر بكتيريا السالمونيلا فيلوث كلَّ هذا المكان، لكنه عدل عن رأيه ، وفجأة صمم على أن يشارك بالرّقص، أن يقطع الرّتل وينضم إلى هؤلاء الراقصين بفرح.
“بيد من سأمسك؟”
ألمُ السؤال قذفه من جديد في لجّة الحيرة والاضطراب ، بيدِ مَن ستتشابك أصابعه ، وتتلاصق كتفه ، ويتقافز جسده.
وقع لوقت في الحيرة والارتباك، أبعد النساء عن دائرة اهتمامه، وألغى فكرة الاقتراب منهن أو ملامسة أكفهن ، فهذا أمرٌ مستحيلٌ ، لقد ظلَّ عازفاً عن الزواج لخجله من الأنثى ، وربما ثمّة موانع أخرى ! فكيف يجرؤ الآن ويلتصقُ بها؟
عاود السؤال : بيد من سأمسك ؟
راح يفكرُ، بينما مرَّ الرّتل المنصهرُ والمتماوجُ من جديدٍ أمامه. راقب أقفية الراقصين ، فاجأه وجود مدير شركته ، دقَّ قلبه بسرعة ، قال: سأمسك بيده.
لقد وجدها فرصة سانحة لأن يتعرّف عليه عن كثب، ستتعانقُ أصابعهما، وتذوب الحدود بينهما، وربما يدور حديثٌ ، فلطالما حلم بالدخول عليه في مكتبه ، وتقديم طلب لنقله من قسم الأرشيف المعتم ، الرّطب، القابع في قاع المبنى ، والذي يفتقدُ إلى الضوء والهواء .
همَّ بالتحرّك والتوجه نحو المدير، لكنه خففَ من مشيه وتساءل: خلال عقدين من العمل في الشركة لم يستدعني، أو يرغب في رؤيتي ، أظنُّ أنه لا يعرف حتى أنني موظف لديه! فهل لهذه الدبكة السريعة ، وهذا الصخب والازدحام أن يمنحني وقتاً لأحاكيه وأعرّفه على نفسي؟
هل لهذه العجالة أن تختزل عشرين عاماً ، وتخلق معرفة وحواراً؟
ألغى الفكرة وراحَ يبحثُ عن أحد يرتاح حين يشبك أصابعه بكفه.
الذين مرّوا من أمامه الآن كلهم أصحاب كروش ، وربطات عنق ملوّنة ، وأحذية لامعة. قال: أصحاب الكروش يستاؤون من النحيلين مثلي ، لأنَّ أكواعهم تدقُّ بحوافِ كروشهم فيحدثون ألماً ووعكة.
وتركهم يعبرون،
وقال: وأصحاب الكرافاتات أخشاهم لأناقتهم المفرطة، ومقاماتهم الرفيعة.
وتركهم يعبرونه مبتهجين، منهمكين ، ولم يبق أمامه سوى أصحاب الأحذية ؛ وفي رأيه أنَّ كلَّ ذي حذاء لامع ، هو مسؤول كبير ، لأنّ بعض الناس يلمعون حذاءه بل ويلعقونه، لهذا يبقى لامعاً. وهو طيلة حياته يتوارى من المسؤولين.
أخذ يحملق بالأرض باحثاً عن أحذية أقلَّ لمعاناً .
” حذاء واحد يكفي” قال مخاطباً روحه التائقة للرّقص والمشاركة، وإلاَّ ما معنى أن تأتيه الدعوة له خصيصاً؟!
راح يهرول خلف الأقدام ، ينحني باتجاهها، يترنح معها، يقف فجأة لثانيةٍ حين تخبط على الأرض، ثم يلهثُ وراءها من جديد.
بفرحٍ عارمٍ صرخ: وجدته.
وهرع بقوّة نحو الحذاء الأبجر، ركض بأقصى ما يملكُ من سرعةٍ، اقتحم رجلين متشابكين بالأصابع، اخترق الرّتل كسهم ناري ، وصار قبالة صاحب الحذاء الكالح، المغبر.
رفعَ نظرَه في وجهِ مالك الحذاء ، فجأة تعصفر، جمد، ارتعدتْ أطرافه ، والتمع خوفٌ في عينيه ، فقد وجد نفسه أمام حالكم المدينة ، جمدت نظراته في وجه هذا الأخير الذي أنهك روحه في خبط عشوائي لقدميه مفرغاً كلَّ طاقاته في الدبك مما جعل حذاءه أكثر تعفراً بالتراب.
نظر الحاكم في وجه الرّجل القنفذ شزراً ، الذي تلكأ ، وخاف ، قال مرتبكاً ، مبرراً وجوده وجهاً لوجه أمام شخصية مرموقة: ل..ل.. لقد خدعني حذاؤك.
امتلأ الحاكم حنقاً، وبإيماءة صغيرة لمرافقيه أنهت الموقف المحرج ، إذ جاء من جرجره من قميصه وألقى به خارج ساحة العرس، ثم ركله وبصقَ عليه.
عاد إلى حالته المعهودة ؛ أدخلَ رأسه في الفروة الشوكية ، صار كرة شائكة ، وحين أفاق من سكونه كان العرس قد انتهى، ولم يبق أحدٌ في السّاحة. حرّر نفسه وأصدر صفيراً هادئاً، وانطلق يعدو ، ركض بجنونٍ صوب بيته، فتح بابه وولج الظلام لاهثاً ، نسي البابَ خلفه مفتوحاً، فتسلل نورُ الشارع إلى الداخل . تنشقَ الهواء بعمقٍ ، شعرَ بجسده ينتصب ، ورغبته في الرقص اشرأبتْ، راح يرقصُ، ويرقصُ رقصاً طويلاً، عشوائياً حتى سقط من التعبِ والانتشاء.

 

الرّجلُ القنفذ
قصة قصيرة
نجاح إبراهيم / سورية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى