قصائد شعر حديثة

الرجل الماكنتوش محمد لبيب سالم

قصة قصيرة الدكتور محمد لبيب سالم

 

قصة قصيرة واقعية من أدب الرحلات د محمد لبيب سالم / مصر
قصة قصيرة واقعية من أدب الرحلات
د محمد لبيب سالم / مصر

 

 

قصة الرجل الماكنتوش محمد لبيب سالم

بعد أسبوع واحد من وصولي إلي المدينة، سألني صديق أن أصحبه لو شئت إلى سوق المدينة المفتوح للأدوات المستعملة. وافقت على الفور لأتعرف على المدينة خاصة أني عاشق للتعرف على كل ما هو قديم وقيم. ولم يكن لدي ولا هو سيارة.
كان هو وأسرته دليلي وأسرتي إلى هذا السوق الذي يقع في أطراف المدينة. كانت أول رحلة لي داخل مدينة فكوكا الجميلة التي كان كل شبر فيها يبهرني ببساطته وجماله ورقيه ورقي أهل المدينة وتواضعهم وأدبهم الجم. ركبنا الباص فدهشت من دقة المواعيد ومن نظام الركوب ومن زي السائق الذي يبدو كطيار مدني.
طوال الرحلة ظللت أنظر من الشباك يمنة ويسارا أتفحص الشوارع والأبنية ووجوه الناس، واتسمع الصوت الذي ينبه الركاب على اسم المحطة القادمة على أنغام الموسيقي الهادئة. كنت سعيدا جدا ومنتشي بكل ما أري وكأني أسمع أغنية للست مساء الخميس أو أستمع إلى قصيدة شعر لأمير الشعراء أحمد شوقي. كنت أشعر وكأني طفل كابنتي ذات العامين ونصف وهي تتطلع إلى كل شيء حولها وتريد أن تلمسه بأناملها.
وبعد حوالي النصف ساعة ، وصلنا المحطة التي بها السوق المفتوح ثم بعد دقائق مشيا وصلنا إلى مكان السوق المفتوح لأفاجئ بالعديد من اليابانيين وهم يقلبون الأشياء القديمة والتي تبدوا لي جديدة تماما. المكان فسيحا والباعة يفترشون الأرض وأمامهم كل الأشياء التي قد لا تتوقع أن تكون موجودة. والعجيب أن الأسعار التي عليها كانت رخيصة جدا وفي متناول الجميع. كدت أطير من الفرح مما رأيت وكأني عثرت على كنز ثمين لا يعوض، فكل شيء موجود هنا وما عليك إلا أن تشتريه وبثمن زهيد.
مشيت منتشيا بين الأشياء وفجأة تسمرت قدماي أمام آلة كاتبة كأنها جديدة ولونها وجودتها عالية جدا. سألت الرجل عن السعر فأشار لي على الورقة المكتوب عليها لأنه لا يعرف اللغة الإنجليزية. لم أناقشه في السعر لإعجابي بها رغم أني لا أعرف كيف أستعملها. دفعت الثمن ووضعها في الكرتونة وأعطاها لي وهو يشكرني بأدب جم.
رغم أني اشتريت بعض الأشياء الأخرى التي أعتبرها مقتنيات ثمينة، إلا أن سعادتي كانت غامرة لشرائي تلك الآلة الكاتبة وكأني اشتريت كمبيوتر، وكأن مشكلة كتابة التقارير والأبحاث قد انتهت بعد أن كنت أذهب أنا وزملائي هنا وهناك في المكاتب التي كانت منتشرة في طنطا والمحلة الكبري آنذاك والتي كنا نقصدها لكتابة الرسائل والخطابات قبل سفر كل منا إلي بعثته. وما أن وصلت المنزل حتى بدأت أكتب أول تقرير عن أول أبحاث كنت قد قرأتها بتكليف من مساعد أستاذي الياباني.
وبعد عدة محاولات من التجربة والتعلم على استخدام الآلة الكاتبة، نجحت في كتابة التقرير المنتظر. شعرت بسعادة غامرة بأني أصبحت قادرا على كتابة التقارير بنفسي وبسهولة بالغة وباستمتاع ليس له مثيل. استيقظت مبكرا ووضعت التقرير في حقيبتي وركبت العجلة وذهبت إلى الجامعة وأنا كلي نشوة وفرحة وثقة في النفس وترقب لحظة شعوري بالفخر وأنا أسلم التقرير لمساعد استاذي الياباني بعد أسبوع واحد فقط من وصولي المعمل بكلية الطب جامعة كيوشو العريقة.
توجهت فور وصولي إلى الرجل في مكتبه الصغير، وبعد أن حياني بجدية سألني عن التقرير. شعرت بفخر وأنا أسلمه التقرير الذي كتبته بالآلة الكاتبة التي اشتريتها أمس من سوق الأدوات القديمة.
أمسك الرجل بالتقرير وقرأه بسرعة وبحرص حتى أكمل قراءته. نظر إليّ في هدوء من وراء نظارته مُعلقًا بملامحه الحادة التي لا تنفرج أساريرها إلا نادرًا. التقرير جيد د. سالم، ولكن ما هي الوسيلة التي كتبته بها. وبثقة بالغة شكرته ثم أخبرته بقصة الآلة الكاتبة.
نظر إليّ الرجل نظرة عميقة وابتسم ابتسامة عريضة، ثم نهض من على مكتبه وأخذني من يدي إلى الغرفة المجاورة قائلا عليك استخدام اجهزة الكمبيوتر هذه د. سالم وليس الآلة الكاتبة فقد ولي زمن هذه الآلات، هي مجرد انتيكة. وما زالت الابتسامة مبسوطة على شفتيه ونظرات التعجب تملأ ملامحه، نادي لأحد الطالبات وطلب منها أن تعلمني استخدام كمبيوتر الماكنتوش الذي كانت أول مرة لي أستخدم الكمبيوتر عامة واسمع عن الماكنتوش خاصة.
شعرت بخجل شديد، ولكن كان هذا الخجل هو الدافع القوي والمحرك النفاث الذي جعلني أتعلم كيف استخدم هذا الكمبيوتر في يومين فقط بعد أن تدربت عليه 18 ساعة في اليوم ولمدة يومين متتالين. وكان القرار أن أشتري من أول مرتب لي جهاز كمبيوتر ماكنتوش والذي كان بمثابة الصديق الوفي طوال فترة دراستي الأولي في اليابان.
وبعد ثلاثة أيام فقط سلمت مساعد استاذي تقريرا آخر عن الابحاث التي كان قد طلب مني قراءتها وتلخيصها. أمسك التقرير وهو ينظر إلى بابتسامته النادرة قبل أن يقرأه قائلا هل كتبته بنفسك د. سالم.
أجبت وبكل ثقة وفخر وسعادة نعم سيدي فقد تعلمت استخدام الماكنتوش وأصبحت ماهرا فيه وهذا هو التقرير بالكمبيوتر وليس الآلة الكاتبة.
ضحك الرجل ورَبَتَ على كتفي وهو يقول مشجعًا “رائع د. سالم رائع، وأتوقع أن تتعلم المناعة بسرعة فائقة كما تعلمت الكمبيوتر من اللاشيء”.
وفي نهاية يناير 1995 وبعد 27 شهرا حان وقت عودتي من البعثة إلى مصر. أقام استاذي احتفالا في حضور مساعديه وكل أعضاء وطلاب قسم المناعة بمناسبة عودتي مصر. سأل أستاذي بروفيسور نوموتو مساعده د. ماتسوزاكي الذي كان مسئولا عن تدريبي والاشراف على ابحاثي “كيف وجدت د. سالم خلال الفترة التي قضاها هنا”.
نظر إليّ الأستاذ المساعد وهو يجيب على أستاذه “وجدته باحثا متميزا فقد تعلم بسرعة المهارات الأساسية والحديثة في علم المناعة في 27 شهرا فقط رغم أن الباحث عادة ما يحتاج ضعف هذه المدة”.
سأله استاذي وهل توقعت هذه النتيجة له منذ البداية.
رد الأستاذ المساعد علي الفور “نعم سيدي، نعم”.
سأله استاذي د. نوموتو متعجبا وكيف توقعت ذلك.
رد د. ماتسوزاكي مبتسما بكل خلايا ملامحه “توقعت ذلك عندما سمعت من د. سالم قصة الآلة الكاتبة” ثم حكي له عن واقعة كتابتي أول تقرير بالآلة الكاتبة بعد أسبوع ثم سرعتي في تعلم الماكنتوش وكتابة التقرير الثاني به.
ضحك استاذي بشدة وضحك الجميع وكانت لحظة سعيدة لم ولن انساها ما حييت، اللحظة واستاذي يلتقط صورة تذكارية معي وهو يقول “توصل بالسلامة لمصر د. سالم يا رجل يا ماكينتوش”.
ضحكنا جميعا وكانت صورة تذكارية لا أنساها ولم أنس حتى يومنا هذا فضل الآلة الكاتبة الأنتيكة.
ورجعت إلي مصر وتركت الآلة الكاتبة وكنت اتمني أن اعود بها ولكن للأسف ثم أستطع فقد ثمن شحنها كان باهظا لثقلها. ولكني رجعت وبحوزتي جهاز ماكنتوش حديث قررت أن اشتريته من ميزانية البعثة وسلمته للقسم واستخدمته أنا وزملائي آنذاك حيث كانت سابقة من نوعها آنذاك.
وهكذا كانت قصتي من الآلة الكتابة حتي أصبحت رجل الماكنتوش (الأبل) في اليابان ومصر آنذاك في زمن لن يعود

قصة قصيرة واقعية من أدب الرحلات
د محمد لبيب سالم / مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى