قصائد شعر حديثة

اللعبة الخطرة فيفيان ايوب

قصة قصيرة

اللعبة الخطرة فيفيان ايوب
اللعبة الخطرة فيفيان ايوب

قصة اللعبة الخطرة فيفيان ايوب

 

فجأةً ضبطتُ نفسي متلبسا وأنا أتعمد اجتذابها وإغواءها، وليست لدي أية نية للارتباط بها أو حتى حبها. اكتشفت في أعماقي سوادًا لم أكن اعرف به، فجزعت وتوقفت قليلًا أفكر فيما أفعل بها وبنفسي، لكني لم أستطعْ إيقاف تلك اللعبة الخطرة، وكلما لاحت اللحظة الحاسمة التي تتوقع فيها مني أن أصارحها برغبتي في الارتباط بها، وتتهيأ لسماع اعترافي والتجاوب معه أتراجع، متلذذًا منتشيًا بتأثيري الذي هز كيانها وخلخل توازنها، وجعلها تنكر حبَّها وتتنكر لذلك الخطيب الغافل، الذي مازال خاتم خطبته بأصبعها.
كنت بنظرها رجلًا ثريًا يملك عصًا سحرية لتحقيق أحلامها. دخلت حياتها كعاصفة هوجاء وقلبتها رأسًا على عقب. رغبة مدمرة تسوقني إلى أن أجعل إنسانًا بريئًا يتجرع من نفس الكأس الذي شربت منه، ليختزن المرارة في أعماقه ثم يجترها فيما بعد، حين يجد الفرصة، فيحركه شيطانه ليسطو كذلك على أحلام غيره.
لم يشفني النجاح والثروة من إحساس القهر والمهانة الذي لازمني، منذ وقفت ذليلا أختنق بدموع العجز، أبحث عن الكلمات فلا أجدها، أمام والد خطيبتي وحب عمري، لا أملك دفاعًا وهو يعيد لي شبكتي المتواضعة لابنته، معتذرًا أنه كأب لا يستطيع السماح بضياع عمر ابنته، بانتظار شخص مازال الطريق أمامه طويلًا، في حين أن فرصتها في حياة أفضل تلح عليها، وتنتظرها مع إنسان جاهز يحبها وشاريها.
لم يشفع لي تفوقي الدراسي وترشيحي للعمل بالجامعة. لم يشفع لي جيرة استمرت بعدد سنوات أعمارنا، ولا الحب الذي باركه أسرتانا وكأنه الوضع الطبيعي الُمسَلَّمُ به. لم أنسَ الأيام والليالي السوداء التي عشتها وأنا أراها معه، وتجهيزات الزواج على قدم وساق. لم أنسَ أبواق موكب زفافها وقرع الطبول، التي اقتحمت على غرفتي المعتمة، كأنه الموت، وكادت تزهق روحي، والأغاني والزغاريد التي كانت تشق ضلوعي، وتشعل النار بكل ذرة بجسدي، ولا أجد سبيلًا للخلاص منها، وأنا أشعر أن رجولتي وشرفي دهستهما ظروفي وفقري وقلة حيلتي، وأنا أرى من اعتبرتها زوجتي لسنوات تزف لآخر، حتى سقطت على ركبتي، ودموعي تغرقني، صارخًا إلى الله أن ينهي عذابي الذي يقتلني بسكين بارد.
رغم انهياري ويأسي عاد نهر حياتي لمجراه. تخليت عن حلم التدريس بالجامعة، ورضيت بالعمل الحرفي الذي يختصر طريقًا طويلًا لجمع المال. حفرت في الصخر وقضيت سنوات من العمل بجنون لأكثر من ستة عشر ساعة يوميا، حتى اكتسبت ثقة المقاول الذي أعمل معه، واستطعت مشاركته في بعض المشاريع الصغيرة بجزء زهيد، لكنه كل المال الذي ادخرته .
كنت خلال تلك السنوات أذكرها دائمًا، تارة أحن وأهفو إليها وتارة كارهًا حاقدًا عليها. أثور لأنها لم تتمسك بي بما يكفي، وتدافع عن عهدنا وتصبر معي، بل استسلمت للغواية بالمال والسيارة والشقة الجاهزة، وفضلتهم على من كان يعشق حتى طيفها. انهزمت أمام أولى معاركنا وكسرتني، ثم أعود وأشتاق إليها ويهزمني الحنين.
استطعت تكوين ثروة صغيرة، وجاء دوري لشراء الأحلام. حاولت الاقتراب من الكثيرات بغرض الارتباط، لكن في كل مرة كنت أهرب في أخر لحظة، وكأن شيطانًا قد سكنني، فلا أستطيع تخيل نفسي مع إحداهن، بل أشعر أن جسدي لا يتجاوب مع المشاعر الغريزية الطبيعية، لشابِ لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره. تلك المشاعر التي كانت تغمرني وتفيض لمجرد ذكر اسم فتاتي.
رغمًا عني وجدتني كالأخطبوطِ الشرس أدنو من تلك العروس، التي جاءتني مع خطيبها بغرض السؤال عن شروط التعاقد على شقة بإحدى مشاريع شركتنا. لاحظت عدم قدرتهما على الثمن المطلوب وشروط السداد. وبدأت التلاعب بصيدي الذي يعيد لي شيئًا من كرامتي، ويشبع داخلي غرورًا جريحًا لم يشفَ بعد، وكلما زاد إحكام الشباك حول فريستي كلما زادت نشوتي ورغبتي في المزيد.
لم يعنني إفساد حياتهما، ولا ذلك الرجل الذي أضعه بنفس المكان، الذي لم أتخلص من ألمه بعد كل ما وصلت إليه، وما حققت من نجاح. كل ما كان يعنيني هو لذتي باللعب بأحلام البسطاء وشهوة الطامعات، إحساسي بأني مرغوب، وقدرتي على سحق منافسي، والانتقام حتى لو كان ممن لا ذنب لهم.
مس شيطاني أصبح يعتريني، ويتوهج كلما رأيت مثالًا لي كما كنت في الماضي، ضعيفًا صغيرًا ومكسورًا أمام جبروت المال، وكأني أنتقم من ذاتي المهزومة، في أشخاصهم، وأبرأ بجراحهم.

 

اللُّعبةُ الخطرةُ
قصة قصيرة
فيفيان أيوب / مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى