قصائد شعر حديثة

انتصار الكتابة الذاتية مي التلمساني

 

مي التلمساني
انتصار الكتابة الذاتية مي التلمساني

فضاء النقد

انتصار الكتابة الذاتية

ملف آني إرنو، أخبار الأدب
مي التلمساني / مصر

قد يهدأ الضجيج الآن حول ماهية وقيمة الكتابة الذاتية وقد صحا العالم على تتويج أعمال آني إرنو الروائية والقصصية والنقدية بجائزة نوبل للأدب، الجائزة الأهم على المستوى الدولي. خاطرتي الأولى وأنا أشاهد صورتها على إحدى القنوات الفرنسية مصحوبة بخبر فوزها مع تعليق حماسي محتشم يكاد يشي بصدمة مقدم البرنامج نفسه هي أن هذا الفوز هو انتصار للكتابة الذاتية. إرنو كاتبة دأبت على استلهام ذاتها في الكتابة ولم يعدّها النقاد في طليعة الكتاب القوميين الذين تذخر بأعمالهم مكتبات العالم أجمع، والعالم الفرانكوفوني على وجه الخصوص. ورغم أنها حظيت بتقدير كبير في فرنسا عبر النقد والجوائز المحلية (مثل جائزة اللغة الفرنسية وجائزة مارجريت يورسنار على مجمل أعمالها) إلا أنها ظلت على الهامش من الحياة الأدبية الباريسية باعتبارها روائية شهيرة ومحبوبة، تكتب السيرة الذاتية.
السيرة هي بلا شك علامة التميز، لكنها في نظر الأدب القومي لا ترفع كاتبها لمصاف الكتاب الكبار، أو كتاب الأدب الكبير بتعبير ميلان كونديرا، هؤلاء المعنيين بالتاريخ والقضايا الكبرى. تتويج أعمال إرنو بجائزة نوبل هو تتويج إذن لعقود من العمل الدؤوب المخلص بعيدا عن الأضواء البراقة، في قلب الفعل الأهم، فعل الكتابة، وهو تتويج أيضا لفكرة التجاور في التاريخ الأدبي، حيث الهامش لا ينفصل عن المتن بأية حال، وحيث الأغلبية الصاخبة بحاجة لأقلية ثورية تنفض عنها من حين إلى حين أتربة النصر الزائل.
أما الخاطرة الثانية التي راودتني فتخص ترجمات إرنو إلى العربية. تمنيت أن تترجم أعمالها كاملة (وأعلم أن بعضها منشور بالعربية في مصر) وأن تحظى لدينا بمكانة مشابهة لمكانتها في فرنسا. فلدينا في العالم العربي كتابة مشابهة جرت العادة على اعتبارها امتدادا لكتابات آني إرنو، لا من وحي رواياتها تحديدا، ولكن من وحي عزمها واحترامها لكينونتها البسيطة ككاتبة، ومن وحي انتمائها لليسار، ودفعاها (في مواقف سياسية مشهودة) عن الحق الفلسطيني. سؤالها الممض “من أنا؟” والذي ينطلق بصدق ودأب ليغوص في الذات بشكل مربك وصادم أحيانا بحثا عن إجابة لسؤال “من أنا في العالم؟” هو سؤال يساري في جوهره، ومعني بالحق الإنساني وبالحريات، وهو من أشد ما نحتاج إليه اليوم في عالمنا العربي.
كيف إذن جمعت إرنو بين كتابة السيرة الذاتية من منظور اليسار، أو كما أسميه يسار القلب، وبين الشهرة الأدبية في بلدها الأصلي فرنسا وفي العديد من بلدان العالم عبر الترجمة؟
لقد هدمت إرنو معبدا كبيرا من معابد الأدب الفرنسي في القرن العشرين، بدأب وخفة ومثابرة، وبلا معارك تذكر. هي المولودة عام 1940، وريثة أدب المقاومة والأدب الملتزم الذي نظّر له سارتر وآخرون، والذي استقر في الخيال الجمعي للفرنسيين ولغيرهم لأكثر من نصف قرن بوصفه “الأدب”، تنشر على استحياء روايتها الأولى “الصوان الخاوي” عام 1974 ثم “المرأة المجمدة” عام 1981 تتبعها “المكان” عام 1984 (الرواية التي ستقدمها للقارئ الفرنسي والعالمي) لتطرح أسئلة الطفولة والشباب في فترة الأربعينيات وحتى الستينيات من القرن العشرين من منطلقات ذاتية وعائلية ونسوية، بلا ادعاء أيديولوجي أو نضالي يذكر.
ثم في رواية “السنون” المنشورة عام 2008 والتي توجت بشكل خاص مسيرتها في كتابة السيرة الذاتية، تنحو آني إرنو لاستلهام ذات موازية للأنا: آني إرنو زمن الكتابة تتأمل آني إرنو زمن الطفولة والشباب وما بعدهما وهي الموضوعات الأثيرة لديها في أعمالها الأولي بلا استثناء. نعرف في “السنون” أننا بصدد كاتبة تجيد اللعب مع القارئ المتلصص وتجيد قراءة التاريخ أيضا، تتأمل ألبومات الصور، الأفلام المعاصرة، الكتابات الصحفية، الحركة السياسية على مدى ما يقرب من نصف قرن، لتنتج “أنا” بوصفها “نحن” تعي بأن “أنا” كاتبة تمنح فرديتها وجودا كونيا، عابرا للحدود الأدبية، يقع على حافة ما بين السيرة والمذكرات واليوميات والبحث العلمي والمقال والخيال الذاتي. أنا في القلب وعلى الحافة، خلف الكاميرا وأمامها، في خارجية المشهد الكبير وفي عمق الوعي بذاتها.
أذكر أيضا قراءتي لرواية “عشق بسيط” المنشورة عام 1992 عن حب البطلة لرجل متزوج، وأذكر كم تتشابه تقنيات الحكي هنا مع ما رسخه مارسيل بروست في رواية “البحث عن الزمن المفقود” من حيث هي كتابة عارية من الأحكام الأخلاقية، بها قدر كبير من السخرية والاستبطان. تعتمد إرنو في “عشق بسيط” على حدث مبدأي بسيط تنسج من خلاله عالما داخليا شديد الثراء والتعقيد، تحديدا فيما يخص مشاعر الغيرة والانتظار. أذكر ما يعجبني في روايتها تلك بعيدا عن الأحداث، فهي ككاتبة تتبنى نهج الكتابة المينماليست في أفضل تجلياتها وتفتح بذلك حوارا لا نهاية له معي أنا شخصيا، مع طموحي في الكتابة الذي يشمل (على اختلافهما البين) بروست وإرنو معا. إرنو على عكس بروست، تقدم كتابة موجزة، مقتصدة، عارية، كتابة تراكم التفاصيل ولا تغرق فيها، توسع رقعة العالم من بقعة متناهية الصغر، وتفسح مكانا لخيالات ومشاعر شديدة التعقيد برهافة وحدة أشبه بحد السكين. بل هي تقول كما قلنا في مصر ولم نكن قد قرأناها بعد، بأن الكتابة لفظ أعم وأشمل، وهي محور من محاور الرواية، تسعى لفهمه من خلال فعل التدوين ذاته، لذا تأتي اليوميات، والمذكرات نصيرا لمحاولة الفهم تلك. كيف نكتب ذواتنا إذن، هذا هو السؤال.
إرنو فضلا عن ذلك من كتاب الأقاليم الفرنسيين، ولدت بعيدا عن المركز وعاشت حياتها خارج باريس. ماذا يعنيها من معارك العاصمة وصخبها؟ تعنيها الكتابة عنها، ومن وحي قراءات تركت أثرا في نفسها، قراءات في التاريخ والثقافة الشعبية والأدب الذي تقوم أيضا بتدريسه. تستلهم عبارة لبريخت يقول فيها “كان يفكر داخل الآخرين، والأخرون يفكرون بداخله” فتقول عن الكتابة: “إن الهدف الأخير من الكتابة، المثل الذي أسعى إليه، هو أن أفكر وأشعر بداخل الآخرين، مثلهم، مثلما فعل الكتاب وغيرهم أيضا، وهم يفكرون ويشعرون بداخلي.” عبارات مشابهة تضئ وتكشف حرفة الكتابة لدى آني إرنو في كتاب الحوارات “الكتابة كسكين” الذي نشر عام 2003 متوجا سنوات من البحث لفهم معنى الكتابة وشرحها للمحاور الفرنسي المكسيكي فردريك أيف جانو، هي في فرنسا وهو في المكسيك والحوار تم بالكامل عبر الأيميل.
عبر الحدود إذن، توسع أني إرنو رقعة الحركة، أدبية كانت أو فكرية. تدرك أن الكتابة هي فعل تحرر من قوالب الرواية نفسها، من الانتماء الحزبي، من الوعي القومي، من محددات الهوية القاصرة. تعرف أن الكتابة فعل يساري، أي فعل تحرر، وأن كل تحرر يبدأ من ذات واعية بمكانها في العالم وبضرورة أن يحظى بحق الحياة والحرية أقصى طرف في هذا العالم أيضا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى