قصائد شعر حديثة

تاريخ الرواية السعودية

 

تاريخ الرواية السعودية

الاخر مؤسسا للرواية السعودية

بالنظر في السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي ولدت فيه الرواية السعودية، يمكننا القول إن ظهور الفن الروائي في المملكة العربية السعودية، إنما هو نتيجة من نتائج العلاقة بين الذات والآخر، إذ بسبب تلك العوامل السّياسية والثّقافية الحافّة بولادة الرواية؛ عواملِ الوحدة الوطنية والكيان السياسي الجديد والانتماء الوطني الواحد، تولّد الشعور بهوية واحدة تجمع السعوديين، بعد أن كانت هويات قبلية وجهوية شتى، فبدأت الثقافة تبحث في هويتها، وتبحث عن هويتها الحديثة لتعززَها وتطهّرها من الفرقة والشتات الذي كانت عليه، لتكون هوية إسلامية وطنية سعودية تتوحد في مواجهة الآخر، فجاءت رواية (التوأمان) متوجهةً إلى الآخر الحضاري، وليس إلى الآخر الداخلي؛ الذي كان يُرادُ له في تلك المرحلة أن يلتئم مع الذوات السعودية الأخرى لتشكيل الذات الوطنية حديثةِ الولادة وترسيخ هويتها وتمتين علائقها. 

ولِما يقارب ثلاثين عاماً لاحقة، ظلت الرواية السعودية على هذا النحو من الالتفات إلى الآخر، منذ بدايتها التاريخية بصدور رواية (التوأمان) عام 1930م، وما تلاها من أعمال روّاد الرواية في السعودية، كرواية (فكرة) لأحمد السباعي الصادرة عام 1948م، ورواية (البعث) لمحمد علي مغربي، الصادرة في العام ذاته، وصولاً إلى الرواية التي عدّها الدارسون البدايةَ الفنية الحقيقية للرواية السعودية، وهي رواية (ثمن التضحية) لحامد دمنهوري، الصادرة عام 1959م, التي قامت أحداثُها وشخصياتها على محور الآخر أيضا، ومعها بدأت مرحلة جديدة من العلاقة مع الآخر، مرحلةٌ توسّلت بالنضج الفني التدريجي في تمثيل الخطاب الثقافي، على وجه أفضل مما كانت عليه الروايات المبكرة. 

وحين يمضي الزمن قليلاً إلى مطلع الثمانينات الميلادية، نجد الدارسين شبه مجمعين على أن مرحلةً جديدةً للرواية السعودية قد بدأت؛ حين تزايد عدد الروايات الصادرة في تلك المرحلة زيادة ملحوظة، وظهر كتاب جدد في الساحة الروائية السعودية، وتمكن الكتاب والكاتبات من أدوات الفن، وتطورت التقنيات السردية لديهم، فظهرت أعمال روائية أكثر تطوراً وأحكم بناءً، وأكثر نزوعاً إلى التجديد والتجريب، ولا يمكن إغفال التأثير الواضح لحضور الآخر في هذا النمو الملحوظ في الرواية السعودية كماً وكيفاً؛ إذ كانت معظم الروايات المميزة فنّياً في هذه المرحلة هي تلك الروايات التي كان الآخر موضوعاً من موضوعاتها وقضيةً من قضاياها، أعني تلك الروايات التي توجّهت إلى الآخر الخارجي (عربياً كان أم غربياً) في علاقة وقعت معظم أحداثها في بيئة الآخر، عبر تجربة الابتعاث الدراسي التي تضاعفت فترة الثمانينات، إذ كان عام 1980م “نقطة الذروة الأولى في تاريخ الابتعاث السعودي للولايات المتحدة، حيث تجاوز عدد المبتعثين لدى المكتب التعليمي في هيوستن 11 ألف مبتعث ومبتعثة، وكان ثلث هذا العدد من الإناث، وعُدّت أعلى نسبة على مستوى الابتعاث الخارجي للفتيات السعوديات” (ينظر تقرير العربية نت) وهي تجربة رصدَتها الرواية السعودية في الثمانينات الميلادية، مجسّدةً التفاعل الديناميّ بين الذات المحلية والآخر الحضاري (على الأغلب) مع توجّه جزئي إلى الآخر الداخلي مُمثّلاً في الأنثى، وطرح بعض قضاياها. ومن تلك الروايات (الدوامة- لا ظل تحت الجبل – السنيورة – لحظة ضعف – الشياطين الحمر- واحترقت بيروت – مخاض الطفرة – الخادمتان والأستاذ – لا لم يعد حلما – عفوا يا آدم – السكر المر – جزء من حلم – لا عاش قلبي). 

وتبرز محوريّة موضوع الآخر وتأثيره العميق في تحولات الرواية السعودية في مرحلة التسعينات الميلادية، مع روايات غازي القصيبي (شقة الحرية – العصفورية) وروايات تركي الحمد (الشميسي – العدامة – الكراديب – شرق الوادي) وروايات عبده خال (الموت يمر من هنا – مدن تأكل العشب) وجملة من الأعمال الروائية التي انفتحت على الآخر العربي والغربي، والآخر السياسي والثقافي، وارتادت فضاءات جديدة غير معهودة من قبل في الخطاب الثقافي بعامة، وفتحت كُوى المكاشفة للأعمال الروائية التي صدرت بعدها في الألفية الجديدة؛ لتتجه روايات ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م إلى الآخر الداخلي السعوديّ المختلِف جندريّاً أو قبليّاً أو مذهبيّاً أو فكريّاً. والمراد أن حضور الآخر كان مؤسِّساً للرواية وباعثاً رئيساً ضمن بواعث وعوامل عديدة، كما يعدّ موضوعاً محوريّاً مؤثراً في ولادة الرواية السعودية، وفي تحولاتها المفصلية الكبرى بكافة مراحلها اللاحقة. 

وما يزال الآخر “سبباً” في التحول الثقافي والاجتماعي، و”جزءًا” منه، و”نتيجةً” له في الوقت ذاته. فهو سيرورة لا تنتهي من العوامل والبنى والتركيبات والخطابات والتمثيلات. وعليه، فإننا لا نبالغ حين نقول إن الرواية السعودية هي رواية الآخر بامتياز؛ إذ لم تزل ولادتها وولادة مراحلها وتحوّلاتها المختلفة مرتبطةً بالعلاقة مع الآخر وموقفها منه. ولا عجب في ذلك؛ فالرواية جنسٌ متلفّت إلى الآخر على الدوام، كما يقول ميخائيل باختين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى