قصائد شعر حديثة

دليل الكاتب العربي للفوز بجائزة نوبل رشيد العناني

 

دليل الكاتب العربي للفوز بجائزة نوبل رشيد العناني

دليل الكاتب العربي للفوز بجائزة نوبل

رشيد العناني / مصر 

(من المفارقات أن هذه المقالة كُتبت سنة 1987 قبل سنة واحدة من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل. لسبب لم أعد أذكره لم تُنشر المقالة في وقتها، لكني احتفظت بمخطوطتها التي عثرت عليها ضمن مراجعاتي الحالية لأوراقي القديمة.)

تطالعنا الصحف العربية ما بين الفينة والفينة بتحقيق من نوع أو آخر عن جائزة نوبل للأدب التي لم ينلها أحد من كتّاب العرب منذ ابتدائها مع مطلع القرن العشرين وحتى لحظتنا هذه. ويكثر القول والتخمين عمن رُشح لها ومن لم يُرشح، ومن يستحقها ومن لا يستحقها، ومن يسعى إليها سرا ومن يجهر أنه لا يحفل جاءت أو لم تجئ. ولا يسعنا أن نرى في هذا الاهتمام البالغ بتلك الجائزة العالمية إلا عرضا من أعراض مركّب النقص الذي يعتور العقلية العربية في نظرتها المعاصرة إلى الحضارة الغربية بصفة عامة. فنحن ما زلنا ننظر إلى الإنسان الغربي ومنجزاته بفاهٍ مفغور وأعين جاحظة، وكأنه لم يمضِ نحو مئتي عام منذ أن كاد يطير صواب عبد الرحمن الجبرتي إذ يشهد أعاجيب “الفرنسيس” في مصر التي كانت آنئذ ما زالت ترزح تحت وطأة القرون الوسيطة. ما زلنا نشرئب بأعناقنا لنرى ما يصنع الإنسان الغربي فنسرع لتقليده. ما زال محك تقويم أدبنا هو مقارنته بالآثار الغربية. ما زلنا بعد دون طور الفطام، صغارا نطمح إلى التفات الكبير، نكراتٍ نتوق إلى اعتراف الفضلاء العالمين.

لسنا هنا بصدد إنكار فضل الحضارة الغربية، وأننا تعلمنا منها الشيء الكثير في العصر الحديث، ولا نقول إن استمرار التفاعل معها والنقل عنها أمر غير مطلوب. إنما كل ما في الأمر أننا نود أن نقول إنه علينا أن ندرك أن قيمتنا في ذاتنا وأن هذه القيمة واقعة متحققة سواء اعترف بها الغرب أو لم يعترف، وأن أدبنا أدب عظيم إنساني التوجه سواء حظي بجائزة عالمية أو لم يحظَ. كما أن على أدبائنا الكبار من الساعين إلى جائزة نوبل خفية أو جهرا أن يطرحوا عنهم الأمل وأن يعلموا أنهم غير مؤهلين لتلك الجائزة المكنونة. ذلك أن المؤهلات للجائزة ليست أدبية فقط. ومن لا يصدق فلينظر فيمن فاز بالجائزة عن العام الماضي (1987). ولينظر فيمن فاز بها في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية عامة وفي السبعينات والثمانينات خاصة، وإن في ذلك لعبرا.

أما الفائز بها هذا العام فشاعر يُدعى جوزيف برودسكي من اليهود الروس، الرافضين للنظام السوفييتي، الآبقين إلى الغرب. يبلغ من العمر 47 عاما ويعيش في أمريكا منذ 1972. ولنتأمل في هذه الهوية لحظات حتى نعلم لماذا يفوز شاعر لا يزال في أواسط العمر، محصوله الشعري حفنة مجموعات شعرية – لماذا يفوز بأرفع جائزة أدبية عالمية، بينما على وجه الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا شيوخ أجلّاء أفنوا العمر في تهذيب البشرية بأشعارهم ومنثوراتهم. أجائزة نوبل مجعولة للأغمار من الناس تشجيعا لهم في بدء الطريق أو منتصفه؟ كلا، ليس الأمر كذلك. فما السر إذن؟ السر هو أن السيد برودسكي روسي خارج على النظام السوفييتي، ومن ثّمَّ فهو صيد ثمين للعالم الغربي في عدائه التقليدي للاتحاد السوفييتي، حيث يصير في الرفع من شأنه وتضخيمه فوق حجمه الطبيعي إحراج للسوفييت ودعاية سياسية صاخبة ضدهم. أضف إلى ذلك يهوديته، فإذا الصيد يصبح فوق أن يُثمَّن، وإذا الحجر يصيب عصفورين لا واحدا في مقتل. ذلك أن قضية اليهود السوفييت قضية حية دائما في الإعلام الغربي ومطروحة دائما في المفاوضات بين الزعماء السوفييت وبين زعماء الغرب الذين لا يكفون عن التباكي على حقوق الإنسان المهضومة في الإتحاد السوفييتي وعلى اليهود السوفييت الممنوعين من الهجرة إلى إسرائيل أو غيرها (وإن كانوا لا يذكرون شيئا عن الحقوق الإنسانية للفلسطينيين أو غيرهم من مضطهدي العالم). 

وحتى لا نُتهم بالتعميم بناء على جزئية فلنستعرض الفائزين بالجائزة من الروس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أي منذ بدء العداء التاريخي الحديث بين الغرب وبين الاتحاد السوفييتي، وحتى جوزيف برودسكي الفائز بها هذا العام. في سنة 1958 مُنحت الجائزة للشاعر الروائي بوريس باسترناك، صاحب الرواية الشهيرة “الدكتور زيفاجو”. الرواية كما هو معروف تؤرخ لفترة الثورة البلشفية في روسيا والقسوة التي اجتاحت بها حياة الأفراد والجماعات مما هو مألوف في تاريخ الثورات الشعبية. مُنع نشر الرواية في الاتحاد السوفييتي لحساسية الموضوع، فقام باسترناك بتهريبها إلى إيطاليا حيث نُشرت سنة 1957، وعلى الفور منحت الأكاديمية السويدية باسترناك الجائزة في العام التالي، 1958. ظلوا 68 عاما لا يسمعون بباسترناك، أو يسمعون به ويتجاهلونه، وما أن نشر رواية فيها إحراج للنظام السوفييتي حتى اكتشفوا فجأة أنه سيد أدباء الأرض قاطبة ومنحوه الجائزة في غمضة عين. ولا يُفهمنَّ من هذا الكلام أن فيه تعريضا بقدر باسترناك الأدبي، فهذا لا خلاف عليه، وإنما المقصود أن الجائزة لم تُقدم له لهذا السبب وحده، وإنما أيضا وربما أساسا لغرض سياسي دعائي. وجدير بالذكر أن باسترناك رفض الجائزة.

أما الروائي الكسندر سولجنستين، فقد تأزمت الأمور بينه وبين السلطات السوفييتية بسبب النقد السياسي في رواياته، مما أدى إلى طرده من اتحاد الكتاب الروس سنة 1969. ولم يكن ممكنا أن تضيّع الأكاديمية السويدية مثل هذه الفرصة الذهبية، فعاجلت بمنحة الجائزة في العام التالي مباشرة، 1970. مرة أخرى ليس في هذا العرض مساس بالاستحقاق الأدبي لسولجنتسين، وإنما كشف للملابسات والتوقيت الخاليين من البراءة. العالم ملآن بالمواهب الكبرى – وحيث أنه ليس كل مستحق يستطيع أن ينال الجائزة السنوية، فما الذي يجعل الأكاديمية السويدية ترجح موهبة فوق أخرى في الاختيار؟ هذا هو السؤال الذي يعطي الفرصة لعوامل إضافية وغير بريئة أن تتدخل بغير إعلان في ترجيحات الاختيار. ولعل الكاتب السوفييتي الوحيد الذي نال الجائزة بدون أن يحيط بالأمر شبهة من الشبهات هو الروائي ميخائيل شولوخوف في سنة 1965. 

ولننظر في توقيت جائزة أخرى بعيدا عن الاتحاد السوفييتي. ففي سنة 1980 فاز بالجائزة تشسلاف ميلوز Milosz الكاتب والشاعر البولندي الذي هجر موطنه بعد دخول بولندا في فلك الاتحاد السوفييتي مع نهاية الحرب العالمية الثانية واستقر في الولايات المتحدة لا يسمع به أحد حتى قُدمت له الجائزة. فإذا علمنا أن السنة التي فاز فيها بالجائزة (1980) كانت السنة التي قفزت فيها بولندا فجأة إلى مركز الانتباه العالمي بسبب الحركة العمالية المناوئة للنظام الشيوعي الحاكم المعروفة باسم “التضامن” Solidarity، والتي استغلها الإعلام الغربي لتصوير الأنظمة الأوروبية الشرقية والاتحاد السوفييتي في صورة أنظمة قمعية قهرية – إذا أخذنا في الاعتبار هذا الظرف السياسي في ذلك العام على التحديد لأدركنا أن الجائزة لم تكن مجرد تقدير لأدب الكاتب الشاعر، وإنما حفزها – أو على الأقل حفز توقيتها – التقدير لموقفه السياسي المعارض والرغبة في إحراج المعسكر الشرقي دوليا. ومما يضاعف الشكوك حول توقيت منح هذه الجائزة أنها تجئ بعد عامين فقط من منحها لكاتب بولندي أمريكي آخر هو إسحاق باشيفس سينجر Singer وهو يهودي تصور رواياته حياة اليهود في بولندا على مر العصور، والغريب في الأمر أن سنيجر يكتب باللغة اليديّة Yiddish وهي خليط من الألمانية والعبرية وبعض اللغات السلافية ولا يتحدث بها إلا عدد ضئيل من بهود أوروبا الشرقية. ولا ننسى أن روائيا إسرائيليا من أصل بولندي يكتب بالعبرية فاز بالجائزة سنة 1966 (شموئيل يوسف عجنون) في وقت كان فيه كتاب مصريون من طبقة طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ قد بلغوا قمة عطائهم الأدبي للبشرية. على أنه من المفارقات ذات المغزى أن العربي الوحيد الذي فاز بالحظوة لدى الأكاديمية السويدية، وإن لم يكن في مجال الأدب، كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات، إذ سعى إلى إسرائيل بدعوته المشهورة للسلام. وحتى في هذا الموقف لم يفت الأكاديمية أن تُشرك معه في الجائزة سنة 1978 مناحم بيجين – رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتئذ – غير متورعة عن تقديم جائزة السلام العالمية لإرهابي ذي تاريخ دموي معروف ومسجل. هل أقول لكتابنا العرب الساعين وراء الجائزة عن طلسم حري بفتح أبواب الأكاديمية وأفئدة قضاتها المستعصية أمامهم؟ على أحدكم أن يكتب رواية واحدة لا غير أو مجموعة شعرية واحدة فحسب تتغنى بالصلح مع إسرائيل وتبشر بالتآلف العربي الصهيوني. لن تمضي سنة أو سنتان حتى تهبط الجائزة السامقة من علاها وتستقر بين يدي الكاتب المجدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى