قصائد شعر حديثة

شعرية المرأة الجاهلية أحمد فرحات

شعرية المرأة الجاهلية أحمد فرحات
شعرية المرأة الجاهلية أحمد فرحات

 

شعرية المرأة الجاهلية الدكتور أحمد فرحات

 

ربما حظي شعر المرأة في العصر الجاهلي بنصيب لا بأس به من اهتمام النقاد والدارسين في مختلف العصور، لكن النظرة التأملية والنقدية في شعرها قد نالها بعض التقصير ، ولا سيما شعر بعض الشواعر المجهولات أو المغمورات، ممن شاركن الشعراء الموهبة نفسها، والقدرة الشعرية الفائقة. هذا من ناحية، ومن جهة أخرى، فإن شعر النساء في العصر الجاهلي تميز بميزة كبيرة، وهي أنها استطاعت أن تغير القرار الذكوري في معظم الأحيان، وكانت تنتقد الرجل إذا لم يكن رأيه موافقا لرأيها، وهي ذات عاطفة أشد من الرجل، خاصة إذا كان القرار يغير مسار القبيلة، ويخص بعض شؤونها السياسية أو الاجتماعية. وفي سبيل توضيح دور المرأة في ذلك فإن الدراسة تنهض بتقديم نموذجين جدرين بالدرس والنقد كظاهرة فنية وأدبية.
النموذج الأول هو لشاعرة مغمورة لم يستدل على اسمها الحقيقي، فراحت كتب القدماء تنسب الأبيات إلى(شاعرة من العرب)( )، وإلى(أعرابية)( ) وإلى(بعض نساء بني أسد)( )،
وإلى(وَسْنى بنت عامر الأسدية)( )، وإلى(قُرَيْبة الهُذلية)( ). فالأبيات تضاربت فيها آراء القدماء والمحدثين، ولم يقر أحد بنسبتها إلى أحد بعينه، وإنما اتفقوا جميعا على أنها لإحدى الشواعر، وقد استحسنها بعضهم، بل زاد أحدهم أنها من أطبع أشعار العرب وأغربها معنى.
ألمْ تَرَنَا غَبَّنَا مَاؤنَا
زَمَاناً فَظَلْنَا نَكُدُّ البِئارَا
فَلَمَّا عَدَا الماءُ أَوْطَانَهُ
وَجَفَّ الثِّمَادُ فَصَارَتْ حِرَارَا
وَضَجَّتْ إِلَى رَبِّهَا في السَّمَا
ءِ رُؤوسُ العِضَاهِ تُناجي سِرَارَا
وَفَتَّحَتِ الأرضُ أَفْوَاهَهَا
عَجيجَ الجِمَالِ وَرَدْنَ الجِفَارَا
لَبِسْنَا لَدَى عَطَنٍ لَيْلَةً
عَلى اليأسِ آتابَنَا والخِمَارا
فَقُلْنَا أَعِيْرُوا النَّدَى حَقَّهُ
وَصَبْرَ الحِفَاظِ وَمُوْتُوا حِرَارَا
فَإِنَّ النَّدَى لَعَسَى مَرَّةً
يَرُدُّ إلى أهله ما اسْتعارا
فبينا نُوَطِّنُ أَحْشَاءَنا
أَضَاءَ لَنَا عَارِضٌ فاسْتَطَارا
وأَقبلَ يَزْحَفُ زَحْفَ الكسير
سوقَ الرِّعَاءِ البِطَاءَ العِشَارَا
تُغَنِّي وَتَضْحَكُ حَافاتُهُ
خِلالَ الغمامِ وتبكي مرارا
كأنَّا تضيءُ لنا حُرَّةٌ
تَشُدُّ إزارا وتُلْقِي إزارا
فلما خشينا بأن لا نجاءَ
وأن لا يكونُ قرارٌ قرارا
أَشَارَ لهُ آمرٌ فوقَهُ
هَلُمَّ فَأَمَّ إلَى مَا أَشَارَا
البنية الصغرى للنص: ونعني بها قراءة البنيات السطحية الصغرى للنص وتجهيزها قبل الولوج إلى عالم البنية الكبرى للنص، ويطلقون على هذه البنيات الصغرى مصطلح (تعشيب النص)، وهو تهيئة النص للقراءة الموسعة الأعمق( ).
تصف الأبيات لحظة من لحظات الطبيعة القاسية، في بيئة قاحلة بخيلة، قلما تجود فيها بسر الحياة والوجود، لعلها لحظة تقف أمام شدتها رجال القبيلة ونساؤها وأطفالها وشيوخها خاشعين مترقبين عاجزين، إنها لحظة بمثابة القتل بدون سكين. ولعلها لحظة أيضا تتهلل فيها أساريرهم، وتنتعش فيها حياتهم، وتحل الحركة والنزق محل الجمود والسكون، وتحيا كل الكائنات حياة ترف وثراء وانتعاش، وتتوارى علامات الموت والسكون إلى حين.
سجل لنا ديوان الشعر الجاهلي صراع الإنسان مع الحياة وقساوتها، فسجل لهذه الشاعرة أبياتا تصف اللحظتين معا، لحظة الجدب وموات الكائنات، ولحظة الحياة وما فيها من صخب واضطراب. وقد استطاعت الشاعرة بمهارة أن توازن بين الحالين، سواء في انتقاء الكلمات والعبارات والصورة، أو في الموسيقا الدالة على غرضها. (المتقارب)
وغير خفي ما في الأبيات من نزعة أسطورية لفعل الأمواه في الكون والحياة،وصورة مجيء الماء على هيئة امرأة (والمرأة رمز للخصب والنماء والديمومة) تخفي جزءا من جسدها وتظهر جزءا آخر هي صورة أسطورية أخرى، وصورة الأرض وقد فتحت أفواهها كأنها أشداق جِمال أصدرت صوتا عاليا وقد وردن الجفارا. إذ المعول عليه هنا هو اللغة بكل ما تحمله من مضامين فكرية ودلالات نفسية، فتـ” تفكيرنا حول الأدب يتم بواسطة اللغة، وأن العمل الأدبي لا يدرك إلا من خلال لغته”( ). واللغة هنا ذات معنى واسع فضفاض ولابد من تقنينها عن طريق ربط الكلمة بالدلالة، والخطأ الجسيم الذي يقع فيه الناقد الأدبي هو ربط الكلمة بمعناها الحرفي الضيق، متجاهلا سياق الكلمات وما تحمله من قراءة تأويلية، ولعل ما دعا أ.إ. ريتشاردز إلى خرافة المعنى الخاص هو” أن النقطة الأساسية هنا هي افتراض أن للكلمات معاني مطلقة،كما أن للناس أسماءهم، وهي تحمل معها هذه المعاني إلى الجمل بصرف النظر عن الكلمات المجاورة، وذلك الافتراض هو ما أهاجمه، لأننا لو تابعنا ما يترتب عليه من نتائج علمية في الكتابة والقراءة وتحرينا تأثيراته في التفسير لوجدنا أن عددا ليس بالقليل من أسباب سوء الفهم اللفظي كامن فيه( )”. وهذا المعنى هو دعوة صريحة من النقاد إلى ما يسمى بتعدد المعنى الواحد، ومن ثم جاز لنا أن نقرأ الأبيات في ضوء التأويل الدلالي. فقد بدأت الأبيات بصيغة التقرير (ألم) مقرونة بفعل الرؤية (تر)،منسوبا إلى (نا) المفعولين، وهي معهم بالطبع، وذلك إيمانا منها بشدة الفعل ورد الفعل، فالرؤية كفيلة وحدها أن تجذب المتلقي، وتدعوه إلى مشاركة الشاعرة محنتها شديدة القساوة، لعل بعد الرؤية يأتي الحل المناسب، أو تطلب من المتلقين مشاركتها في حل مناسب، وقد غيض الماء وقضي الأمر، وبدت ملامح الموت تنسج خيوطها على المكان، ويبدو ألا مفر من تجاذب الناس وتآلفهم معا، لعبور المحنة.
ومن المفيد أن نذكر تكرار (نا) ثلاث مرات في مساحة البيت الأول( ترنا/غبنا/ماؤنا/فظلنا)؛ وتكرارها ضمنيا في (نكد)؛ تأكيدا لجماعية الحدث، وأن ما أصابها قد أصاب القوم جميعا، فالمصيبة واحدة وحالّةٌ عليهم أكملهم، ولا تستثني منهم أحدا؛ ومن ثم فالتقرير بـ(ألم) في البداية بمثابة اللكز لهم جميعا، وتنبها لشعورهم الجمعي. وفي لفظة(غبنا) تؤكد عدم انقطاع الماء نهائيا عن القوم، بل يجيء يوما ويغيب آخر، مما جعلهم يكدون البئار، أي ينتزعون ماءها انتزاعا فيه عنت ومشقة وكد.
في البيت الثاني نجد الأداة( فلمَّا)، وهي ظرف زمان مختص بالماضي يقتضي جملتين وجدت ثانيهما عند وجود أولاهما، كما يقول النحاة، والجملة الأولى الموجودة بالفعل هي(عدا الماء أوطانه) معطوفا عليها مسافة كبيرة من الجمل على مساحة الرقعة الشعرية (جف الثماد/ ضجت إلى ربها/ وفتحت الأرض أفواهها) حتى نصل إلى جملة(لبسنا لدى عطن ليلة)، وربما وصلنا إلى جملة (فقلنا أعيروا الندى) لأن المعنى يحتمل ذلك أيضا. وكل هذه الجمل التفسيرية توضح لنا ما فعله غيض الماء وندرته بالإنسان والحيوان والنبات والجماد، في صورة تصويرية كاشفة، غير مخاتلة، صورة تعتمد على النظر والرؤية أي صورة حسية مادية قوامها الأساس هو الرؤية والشعور بالظمأ والجفاف، وانتداب الجماد والصخر لافتعال حالة مشابهة لحالة الجفاف المعنوي الذي أصاب القوم.
وفي البيت الثامن: فبينا نوطن .. وبينا هنا ظرف للزمان والألف زائدة، وبين مضافة إلى الوقت المحذوف، أي عُوّض بالألف عن كلمة الوقت، من بداية هذا البيت تنتقل الشاعرة إلى لحظة الحياة والنماء والخصب، لحظة هطول الماء، وقد جاء المطر زاحفا زحف الكسير، أي بطيئا، وفي بطئه جمال الحياة تصوره عدسة الفنان، ليلتقط أجمل اللحظات في الطبيعة، متخذة من الصور الحسية المادية المنتزعة من بيئتها بيانا وتوضيحا لحال المطر وهو قادم، فقد بدأت بالبرق المستطير أي الذي انتشر في أفق السماء، وهو دلالة على الغيث، فيتتبعون مساقط القطر ومواقع الكلأ والعشب، فأقبل القطر يزحف زحف الذي كسرت ساقه، كأنه راع يسوق الرعاء البطاء، وقد مُلئت بطونها، فهي عشراء، لا تقوى على السير السريع. وهذا يستدعي قوله جلّت قدرته ?وَإِذَا ?لْعِشَارُ عُطِّلَتْ?( ) .
ومن خلال استعراض عدد من الجمل الشعرية اتخذت الشاعرة من التشبيه أساسا لها جميعا، لتصوير لحظات سقوط القطر، فصورت الشاعرة السحاب المنتشر في الأفق وهو يقبل عليهم بالخير العميم؛ فجوانبه تضيء وتضحك خلال الغمام؛ ابتهاجا لهم ببشارة الخير،ثم تبكي عليهم، في إشارة منها إلى هطول الأمطار، وكأنها غادة بيضاء جميلة ناعمة، تشد على جسمها إزارا وتترك ما بقي منه لهم، وفي هذه الإشارة اللطيفة من الشاعرة لأنها تدرك أثر ظهور بعض من جسد المرأة للقوم، وإخفائها بعضا آحر، لتثير شعورهم الحسي، وتضغط على عواطفهم، في أن الخير والنماء والخصب القادم يشبه إلى حد كبير ذلك الخصب والنماء القابع في أنثى بيضاء جميلة، فكلاهما مصدر نماء وخصب.
ويبدو أنه من كثرة الخير خشيت الشاعرة أن يصيب القوم سيل لا يقوون على كبح جماحه الوفير، ولا يقدرون على التعامل معه، وفي هذه الأثناء ظهر الحل بلحظة تنوير كاشفة تحل عقدة من صراع مرير محبب، وجاء الحل في صورة أمر علوي أمر ذلك العارض بأن يذهب إلى مكان آخر ليعمه بالخير والنماء. فأطاع العارضُ الآمرَ وذهب إلى حيث أشار.
إننا أمام لوحة فنية بديعة، أجادت الشاعرة نسج خيوطها من عناصر الطبيعة في حالتي الجدب والخصب، ولذلك استحقت قول النقاد القدامى بأنها من أطبع أشعار العرب وأغربها معنى.
وثنائية الجدب والنماء إنما تروم مشاهدات كونية لا تقوى المرأة على الوقوف أمامها، أو حتى التصدي لها في ذروة عنفوانها. إنها فحسب تعرض مشهدين من مشاهد الحياة الغريبة والعجيبة، إن الجدب في أدق معانيه التأولية هو الموت، وما يقتضيه من تأمل في الحياة بعين أنثوية ضعيفة التكوين، ولكنها ثاقبة الفكر؛ فالموت الذي يصيب القوم أو أحدا من القوم تتجلى مظاهرة في الأفعال المؤسسة لمسافة الحديث عن الجدب، وما عساه أن يصنعه في العباد ذلك الموت/الجدب، ولذا اختارت الشاعرة بنية زمانية تمتح معانيها من الجدب والموت، فالمسافة تنهض بفعل حاضر دال (نكد)، وبنية زمانية ماضوية(جفّت/ ضجّت/فتّحت)،وما فيها من تضعيف وإعمال، يشي بالصعوبة والشدة التي خلقت ضربا من المناجاة ، وارتداء الملابس السوداء على يأس وقنوط من محاولة الانفكاك والانعتاق من براثن الموت؛ ولكنها قد تبدو ذا أثر فاعل إذا انتظمت في كد ونصب. ومن ثم فالصورة الدالة على الجدب إنما هي صورة الموت في حقيقتها المُرَّة، وصورة الموت صورة قاحلة تتساوق مع ما يفعله الجدب من أثر.
وفي الجانب الآخر تبدو صورة النماء الدالة على الحياة والحركة في بنية زمانية ضاحكة، متحركة، نابضة، معتمدة على أفعال تدل على الإضاءة والنور، والحركة والصخب: (أضاء/يزحف/ تغني /تضحك / تضيء/ تشد/ تلقي)
وهذه هي الحياة في حالتيها، ويبقى الموت له معجمه الخاص، والحياة لها معجمها الخاص، وبين الحياة والموت يبقى الإنسان يصارع ظروف الحياة، تلك كانت نظرة المرأة العربية الجاهلية إلى فلسفة الحياة والموت في بعض أبيات من الشعر الذي خلد، وحتى الآن لم يعرف اسم قائلته على وجه الدقة.
وبعد أن قرأنا البنيات السطحية الصغرى للنص فإنه يجدر بنا التعرف على البنية الكبرى، فعلى الرغم من تميز القصيدة وتمايزها في الشعر الجاهلي فإننا يمكننا أن نلاحظ تعالق النص مع نصوص أخرى مشابهة؛ فالنص القائم معنا يتناص مع نص سحيم عبد بني الحسحاس في الوصف واللفظ والمعنى، والموسيقا الظاهرة، والباطنة. ففي نص وسنى بنت عامر الأسدية فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت بتقنيات مختلفة، وامتصاص لنص سحيم بشكل لافت. وتتمثل البنية الكبرى في النص النسوي والنص الذكوري في بنية جدلية الغياب والحضور، أو الجدب والخصب. وهذه البنية الكبرى تتركز في بؤرة مركزية واحدة، وما باقي الأبيات إلا تنويعات حول هذه البؤرة المركزية(الغياب/الحضور). فيقول سحيم:
أَحارِ تَرى البَرقَ لَم يَغتَمض
يُضىءُ كِفافاً ويَجلو كِفافا
يُضىءُ شَماريخَ قَد بُطِّنَت
مَثافيدَ رَيطاً وَريطاً سِخافا
مَرَتهُ الصَّبا وانتَحَتهُ الجَنو
بُ تَطحَرُ عَنهُ جَهاماً خِفافا
فأَقبَلَ يَزحَفُ زَحفَ الكَسيرِ
يَجُرُّ مِنَ البَحرِ مُزناً كِثافا
فَلمّا تَنادى بأَن لا بَرا
حَ وانتَجفَتهُ الرِياحُ انتِجافا
وحَطَّ بِذى بَقَرٍ بَركَهُ
كأَنَّ عَلى عَضُدَيهِ كِتافا
فأَلقى مَراسيَهُ واستَهَلَّ
كَمَدِّ النَبيط العُروُشَ الطِرافا
يَكُبُّ العِضاهَ لأَذقانِها
كَكَبِّ الفَنيقِ اللِقاحَ العِجافا
كأَنَّ الوُحُوشَ بِهِ عَسقَلا
نُ صادَفَ في قَرنِ حَجٍّ ديافا
فالنصان يشتركان في وصف البرق تارة، وفي بعض الأوصاف الأخرى بشكل لافت، بل تكررت بعض الأشطر كما هي: يضيء كفافا ويجلو كفافا/ تشد إزارا وتلقي إزارا أو تغني وتضحك حافاته خلال الغمام وتبكي مرارا-فلما تنادى بأن لا براح / فلما خشينا بأن لا نجاء وأن لا يكون قرار قرارا-يكب العضاه لأذقانها/ وضجت إلى ربها في السماء رؤوس العضاه –فأقبل يزحف زحف الكسير …/ وأقبل يزحف زحف الكسير …
إن هذا التعالق النصي في النص المذكور ليس من قبيل السرقات المعروفة عند القدماء؛ بل هو تناص فني موزع بطريقة تدعو للدهشة من براعة الشاعرة وحسن ذوقها وفطرتها. وهنا نعتقد أن البنية الكبرى الكامنة في النص كله تتمثل في بيتين مركزيين هما:
فبينا نُوَطِّنُ أَحْشَاءَنا
أَضَاءَ لَنَا عَارِضٌ فاسْتَطَارا
وأَقبلَ يَزْحَفُ زَحْفَ الكسير
سوقَ الرِّعَاءِ البِطَاءَ العِشَارَا
حيث يشكل هذان البيتان بؤرة مركزية للقصيدة كلها، وما سواهما تنويعات حول هذه البؤرة المركزية.
نموذج آخر لشعر المرأة الجاهلية؛ ففي السُّليك تقول السُّلكة أمه، وقد قُتل
طافَ يبغي نَجوَةً
مِـــــــــــــنْ هَلاكٍ فهَلَكْ
ليتَ شِعري ضَلَّةً !
أيُّ شيءٍ قتلَكْ؟
أمريضٌ لم تُعَدْ
أم عدوٌّ ختلكْ؟
أم توَلَّى بكَ ما
غَالَ في الدَّهْر السُّلَك؟
أمْ نِزالٌ من فتى
جَدَّ حتَّى جدَّلك؟
أم جُحَافٌ سائلٌ
من جبالٍ حمَلَك؟
كلُّ شيءٍ قاتلٌ
حينَ تلْقى أجلَكْ
والمنايا رَصَدٌ
للفتى حيثُ سَلَكْ
أيّ شيءٍ حسنٍ
لِلفَتى لَم يكُ لَك
طالَ ما قَد نلتَ في
غيرِ كدٍّ أَمَلَكْ
إِنّ أَمراً فادحاً
عَن جَوابي شَغَلكْ
سَأُعزّي النَّفْسَ إِذ
لَم تُجِب مَن سَأَلَك
لَيتَ قَلبي ساعةً
صَبْرَهُ عَنك مَلَك
لَيتَ نَفسي قُدّمَت
لِلمَنايا بَدَلَك
والأبيات آية إبداع للمرأة العربية في الجاهلية، فقد قال الأصمعي عن صاحبة الأبيات: “أما ترون إلى هذه، أمة سوداء، تلبس الشَّعَر، وتجمع البَعَر، وتأكل خبز الشعير، وتعصب البعير، وتقول مثل هذه الأبيات( ). ”
إنها نفثة قلب موجوع، وصرخة فؤاد محزون؛ فالكلمات معبرة عن لوعة الأم الثكلى، حيث جاءت الأبيات كلها تحمل استفهاما طويلا، استغرق مساحة القصيدة كلها تقريبا، والاستفهام هنا يحمل مضمون التجربة بأكملها، وهو منصب على الحالة التي كان عليها الابن عند موته، فهي لم تسأل عن القتل؛فهذا مصير محتوم لأي صعلوك ابن صعلوك؛ بل تتساءل عن سبب قتله، وهو الفتى الطيب الذي جمع مع الحسن دماثة الخلق.
فالأبيات منذ بداياتها تحمل عبء تجربة شديدة الخصوصية؛ لأنها تتناول حياة الصعلوك الجاهلي من منظور اجتماعي محض؛ فالأبيات صورة خلفية لزوج الصعلوك، وهي ترثي ابنها الصعلوك الصغير. وللصعاليك رؤيتهم في الحياة يعرفها من درس حياتهم وفقه أساسها الاجتماعي في حياة العرب الجاهليين.
تبدأ القصيدة بفعل ماض، ليحدد الزمن والحدث معا، وإن كان الزمن الحاضر أكثر حضورا والتفاتا في البيت، من خلال الفعل(يبغي) فإنه أيضا يأتي في طيات الزمن الماضي الذي يستدعيه الفعل(طاف)، والطواف من الكلمات التي لها أكثر من مدلول في المعاجم العربية، طاف البلاد: أي تجول فيها. طاف على المكان: نزل عليه العقاب، كقوله تعالى:? فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ ?( ) فالفعل هنا إذن يحمل المدلولين معا، فالابن ربما طاف البلاد وتجول فيها ثم حدث له عارض ما مات على أثره، كما تحمل معنى آخر، أن الابن أغار على جماعة من القوم المثرين وبغى عليهم فحل به العقاب، وهو الهلاك. وكلا المدلولين وارد هنا. وربما أكد الاحتمال الثاني أن البيت الثاني يحمل معنى الضلال نصا ومعنى، ليت شعري ضلة!والضلال هنا أيضا يحمل مدلولين اثنين فإما أن يكون ضلالا لأنه ارتكب جرما ببغيه على أحد، أو أن يكون ضلالا عن معرفتها بمكانه وسبب حتفه. وهكذا تلعب الألفاظ دلالة مزدوجة نستطيع من خلالها تأطير التجربة وبلورتها في معنى مزدوج مخاتل.
في البيت الثالث تبلور السليكة تجربتها كلها في شطرين اثنين، شطر ينفتح على قلب أم ثكلى، لم تدري شيئا عن سبب قتل ابنها، فراحت تستدعي عاطفتها عن طريق التداعي الحر أو التسلسل العفوي للذات الشاعرة التي آلمها فقد ابنها فراحت تبحث كأم فقدت ابنها عن الحالة التي يمكن أن يكون عليها : هل كان مريضا لم يعده زائر؟ وهي تعني بالحتم أنها ذلك الزائر، فتطبب جراحه، وتداوي آلامه، وتسهر لراحته، وتجفف عرقه .. وشطر يصور نهاية حتمية لصعلوك صغير لم يتمرس الكر والفر والنزال، أم عدو ختلك؟ وهذا العدو كان مخادعا استطاع بمهارته أن ينال منك.
واستنادا إلى فكرة تيار الوعي استطاعت السليكة أن تصل بعفوية إلى عمق الأثر الفاعل في نفسيتها عن طريق عدد كبير من الاستفهامات الحائرة التي كانت تنزف على إثرها دماء وحسرة مصورة الجوانب الشخصية للذات الشاعرة من العمق الداخلي لها، تلك الجوانب التي تتسم بالخفاء والظلام والحزن عن طريق التداعي الحر أو التسلسل العفوي أو “الشيء بالشيء يذكر”( )، وتلك الاهتزازات النفسية التي راحت تتردد عبر أدوات الاستفهام كان لها أثرها في تطور التجربة الفنية لأنها استطاعت أن تعمل على إشراك القارئ أو المتلقي معها بشكل لافت.
واللافت في هذه التجربة أيضا أن الذات الشاعرة عبرت عن حضور الابن(الغائب) بضمير الغائب في الفعل الماضي طاف، وعوضت عنه بكاف الخطاب اللافتة والمدهشة في باقي الأبيات. وما دام الأمر يتعلق بالحضور والغيات فكان لها أن تستحضر شخصية الأب، تلك الشخصية التي لم تذكر إلا في البيت الرابع(السُّلَك)، وهذا الحضور استدعته الضرورة فهو الأب، والزوج، وحياته هي التي فرضت عليهم هذه المعيشة، ثم إن له في ابنه نصيبا من الحسرة والحزن، فكان حضوره بمثابة المواساة والتعزية للفقد و الهلاك.
ولعل من أبرز سمات القصيدة مجانبة الغرابة اللفظية، والانفلات من الصنعة الفظية الخشنة، وربما كان الحزن وصدمة الأم في الفقد قربها أكثر من الفطرة فاستخدمت ألفاظا شائعة مألوفة مأنوسة؛ لأنها أكثر تعلقا بالذاكرة وأسيرها على اللسان. كما أن بتر المقدمة الطللية أو الغزلية أو التمهيد كان من معالم التجربة الفنية للنص الرثائي عموما، بل جعل النص أقرب ما يكون من القصة القصيرة بمفهومها المتعارف عليه؛ فوضحتْ عناصر القصة بشكل مدهش، من حيث الشخصيات والزمكانية، ووحدة العاطفة، والحبكة الفنية، والنهاية المؤثرة.
يبقى أن نشير إلى عنصر الموسيقا الهادرة أو المتموجة في الأبيات، فتكرار حرف اللام مردوفا بحرف الكاف الساكن(لك) أشعل القصيدة موسيقيا وزاد من نغمتها بصوت يتردد في أقصى الحلق على مسافات متقاربة جدا. فما أن تنتهي من ترديد الكاف حتى تأتي كاف أخرى، فتزيد من تعلق القارئ والمتلقي معا، حتى يتنظر كافا أخرى سريعا ما يتجاوب معها وينشغل بها!
أما عن الوزن الشعري في الأبيات ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فالأبيات” إما أن تكون من الوزن المديد، وهو من أهل بيت المملكة في الشعر؛ لأنه أخو الطويل والبسيط، وإن كان مقصِّرا عنهما، وهو معهما في دار المُلْكِ، وعنيتُ بدار الملك: الدائرة التي تجمعه وأخويه.. وإما أن تكون من الرمل، وهو من عامة الشعر، وبذلك حكم أهل العلم”( ( ،وقيل عن وزن الأبيات أيضا: “وهذا وزن نادر من أوزان الشعر، قال التبريزي: من مشطور المديد، والقافية متراكب. قال أبو العلاء: هذا الوزن لم يذكره الخليل ولا سعيد بن مسعدة، وذكره الزجاج، وجعله سابعا للرمل، وقد يحتمل أن يكون مشطورا للمديد

فضاء النقد
شعرية المرأة الجاهلية
د.أحمد فرحات / مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى